أولا : الغلام صاحب العشرة أعوام الذي أحرج و تحدى الحجاج بن يوسف الثقفي .
ذات يوم خرج الحجاج للصيد ، فرأى صبيا عمره لا يزيد على العشر سنوات إلى جانبه تسعة كلاب ، فسأله الحجاج ماذا تفعل هنا يا غلام ؟ فنظر إليه و قال له : يا حامل الأخبار لقد نظرت إلي بعين الإحتقار و كلمتني بالإفتخار و كلامك كلام جبار و عقلك عقل بلال . لاقرب الله دارك و لا مزارك ، فما اكثر كلامك و قل مزارك .
فأمر الحجاج جنوده بأن ياخذوا الغلام - الذي يعد واحدا من أشهر الغلمان الذين تحدوا الحكام في التاريخ العربي الاسلامي - إلى قصره و الناس ماثلون بين يديه مطأطئين رؤوسهم من خشيته ، فلما حضر الغلام و مثل بين يديه رفع راسه و نظر إلى القصر المزخرف و المزركش بالفسيفساء ، و تعجب مما يبنون معتقدين أنهم في الدنيا يخلدون فيها .
ثم دخل الحجاج مع الغلام في كثير من الأسئلة ليختبر فيها مدى ذكاء الصبي فقال له : اخبرني عن الذي خلق من الهواء و من حفظ بالهواء و من هلك بالهواء ؟ فقال الغلام ؟ الذي خلق من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام و الذي حفظ بالهواء سيدنا سليمان عليه السلام و اما الذي هلك بالهواء فهم قوم هود . فقال الحجاج اخبرني من الذي خلق من الخشب و الذي حفظ بالخشب و الذي هلك بالخشب ؟ فرد الغلام: فأما الذي خلق بالخشب فهي الحية خلقت من عصى موسى. و أما الذي حفظ بالخشب فسيدنا نوح عليه السلام و أما الذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام . فقال الحجاج : اخبرني عن الذي خلق من الماء و الذي حفظ بالماء و الذي هلك بالماء ؟ فرد الغلام : فالذي خلق من الماء أبونا آدم و الذي حفظ بالماء موسى عليه السلام و الذي هلك بالماء فرعون . فقال الحجاج: اخبرني من الذي خلق من النار و الذي نجا من النار ؟ فقال الغلام: الذي خلق من النار إبليس عليه لعنة الله و الذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام.
ثم توالى الحجاج في طرح الأسئلة ، فقال للغلام : اخبرني عن العقل و الحياء و الإيمان و السخاء و الشجاعة و الكرم و الشهوة فرد عليه الحجاج باجوبة غاية في العقل و المنطق ثم قال له : فاخبرني عن اقرب شيء إليك فقال الغلام : الآخرة . فأعجب الحجاج به فقال ما رأيت صبيا ذكيا أتاه الله العلم و العقل و الذكاء مثله فقال الحجاج و جب علينا إكرامك لقد غمرتنا ببحر إكرامك ثم أمر له الحجاج بإلف دينار و كسوة و جارية و فرس.
ثانيا : الغلام صاحب مقولة عند الإمتحان يعز المرء أو يهان و الأمير
كثيرا ما نسمع هذه المقولة : " عند الإمتحان يعز المرء أو يهان " فيميل تفكيرنا مباشرة نحو الشخص الذي يكون أمام إمتحان بصدد اجتيازه ، من أجل بث روح العزم و الإرادة و التحفيز على الإجتهاد و المثابرة ، حيث تحقيق الفوز و النجاح الذي يلبس صاحبه لباس العز و الفخر و الكرامة ، و بالمقابل الكسل و الخمول يعقبه الفشل و الخسران و به يكون صاحبه مثارا للسخرية و الإهانة و الذل و الهوان.
لكن لم نسأل يوما ما سبب ورود هذه المقولة ، و لا في أي زمن قيلت ، و لم من قالها ، لذلك و بعد بحث طويل ، وصلت إلى ما كنت أصبوا إليه ، لكونها قصة مشوقة بين أمير و غلام ، تنم على روح الجوار و الإستماع للآخر حتى لو كان صبيا ، فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر .
في يوم من الأيام ،بينما كان الأمير يقوم بجولة لتفقد الرعية، أثار انتباهه غلاما يتناوب مع الدابة في المسير، فتارة يركب عليها و مرة أخرى يتركها تمشي وحيدة ، فقال له يا بني : ما بالك تفعل هذا ؟ . فأجاب الصبي بكل رزانة : إن في ذلك حكمة يا سيدي، فدهش الأمير و سأله: كيف ؟ رد الغلام - الذي يعد واحدا من أشهر الغلمان الذين تحدوا الحكام في التاريخ العربي الاسلامي -بكلام موزون مقفى يدل على حنكته و فطنته و رجاجة عقله قائلا :
إذا ركبت يطول طريقه و يشتد جوعه *** و إذا خف حمله أسرع في سيره و يطول صبره .
ثالثا : الغلام زعيم وفد الحجاز و الخليفة عمر بن عبد العزيز .
بمجرد تولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، انهالت عليه الوفود من البلاد العربية لتهنئه بمنصب الخلافة ، و لما دخل عليه و فد الحجاز اثار دهشة الخليفة غلام صغير - الذي يعد واحدا من أشهر الغلمان الذين تحدوا الحكام في التاريخ العربي الاسلامي -لايتجاوز عمره الحادي عشرة سنة يتقدمهم ليتكلم نيابة عن الوفد و يقدم التهاني له ، و قال له : ارجع أيها الغلام و دع من هو اكبر منك سنا ليتقدم . فأحس الغلام بالاحتقار و المهانة فأجاب بكل شجاعة و بكلام موزون مقفى : ليست قيمة الإنسان بالسن يا أمير المؤمنين ،بل قمته بعقله و لسانه ، أرأيت إذا أعطي المرء لسانا لافظا و قلبا حافظا أما استحق التقديم و لو كان الأمر بالسن لكان في مقامك هذا من هو في الأمة من هو أحق منك. فاعجب الخليفة بذكاء الغلام و أنشد يقول :
تعلم فليس المرء يولد عالما ***** و ليس أخو علم كما هو جاهل
