ابتلاء أيوب عليه السلام
كثير ما نسمع عبارة صبر أيوب ، فأيوب عليه
السلام هو واحد من الأنبياء الذين ذكرهم القرآن ، يعرفه القاصي و الداني فكان و لازال يضرب به
المثل بالصبر و التحمل و الجلد ، فمن هو أيوب عليه السلام ؟
حياة سيدنا أيوب عليه السلام.
نبي الله أيوب عليه السلام هو من سلالة العيس بن إسحاق و هو من ذرية إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى :" و من ذريته داود و سليمان و أيوب و يوسف و موسى و هارون " و هو قدوة للصابرين ، فقد أصبح صبره يضرب مثلا في العالمين لما ابتلي به ، فلم يكن استثناء عن أنبياء الله و رسله فقد قال رسول الله تعالى : ( أشد الناس بلاء هم الأنبياء ثم الأمثل فالمثل ) ، فكيف كان صبره عليه أطيب السلام ؟
قال الله تعالى في محكم التنزيل لما أصاب سيدنا أيوب
من إرهاق بدني و عذاب نفسي :" و اذكر عبدنا أيوب إذ نادی ربه ،إني مسني الشيطان
بنصب وعذاب.
بم أنعم الله على أيوب علي السلام ؟
تزوج أيوب عليه السلام سيدة اتخذت من العفاف
سبيلا ، و كان هو و زوجته في منطقة حوران ، و قد أنعم الله عليه كثيرا من النعم
فرزقه البنين و البنات و أراض كثيرة يستغلها في الزراعة فيجني منها ما لذ وطاب من
الثمار ، كما كان أعطاه الله قطعانا من الغنم و البقر و الماعز و الإبل و مع ذلك
جعل الله له مكانة كبيرة عنده فاختاره للنبوة ، و قد كان أيوب عليه السلام ملاذا
للناس جميعا ، و بيته قبلة للفقراء يقصدونه لما عرفوا عنه كونه يجود عليهم و لا يبخل عليهم من ماله شيئا و لا يقوى أن يرى
فقيرا بائسا ، و قد بلغ من كرمه أنه كان لا يأكل طعاما حتى يستضيف ضيفا فقيرا .
كان أيوب عليه السلام . يتفقد المستخدمين في الضيعات والحقول، يشكر الله و يحمده و ينصح الناس و
ينهاهم عن كل شر و يدعوهم إلى كل خير يقربهم إلى الله ، فقد أحبه الناس لإيمانه
بالله و كانت له منزلة كبيرة في قلوبهم و مساعدته
للناس جميعا و لم يتكبر بما أعطاه الله من مزارع و حقول و أنعام و أولاد ، فقد كان
بإمكانه ألا يشتغل لا هو و لا زوجته و أولاده لغناه و كثرة ما لديه من نعم .
بم ابتلى الله أيوب عليه السلام ؟
لم يستطع الشيطان أن يصبر أمام هذا الزخم
الهائل من النعم التي أنعم الله بها على نبيه و إيمانه القوي بالله ، بل هيأ نفسه
و كثيرا من جنده لوسوسة الناس
و
القول بأن أيوب عليه السلام يعبد الله لأن الله أعطاه هذا الخير الكبير و البينين و البنات و
الأموال من الماشية و الأراضي الخصبة ، لذلك يحرص أيوب على عبادة الله خوفا على
ماله و أولاده ، فلو كان فقيرا لما عبد الله و لا آمن به ، فوجد الشيطان من يستمع
له ضعاف القلوب ، فتغيرت نظرتهم لأيوب عليه السلام ، فبدؤا يشيعون القول بأنه
لو تعرض لأدنى مصيبة لفقد إيمانه و كفر بالله ، فيوما بعد يوم بدأ نظرة أهل حوران
تتغير اتجاهه و يغتابونه كلما رأوه من بعيد ، فبدأ الابتلاء من الله تعالى .
* مقتل العمال و سلب الماشية .
فبينما كانت الأمور تسير على ما يرام، إذ
بأحد العمال يأتي مهرولا، يا سيدي يا سيدي، فقال له سيدنا أيوب ماذا حصل، فرد: لقد
قتلوا جميع أصدقائي، و قد صارت دماؤهم تسير فوق الأرض. فقال أيوب : كيف حدث ذلك ؟
فرد .هاجمنا اللصوص و قطاع الطرق فقتلوا من قتلوا و سلبوا من الماشية. فأخذ أيوب
عليه السلام يردد:" إنا لله و إنا إليه راجعون " فقد أراد الله أن يختبره و يظهر للناس بأن نبيه رجلا مؤمنا صابرا محتسبا و لا يعبده لأنه غني و
في صحة و عافية.
* احتراق المحاصيل الزراعية.
ثم توالت المحن و الابتلاءات ، ففي اليوم
الثاني نزلت الصواعق من السماء على أحد الحقول التي يملكها أيوب فأتت على الرطب و
اليابس ، فجاءه أحد العمال يجري و يصيح و
على ثيابه أثار الحروق و هو في حالة مزرية ، صاح و قال : النار أحرقت الحقول و
المزارع ، فقد أصبحت الأرض رمادا تدروه الرياح و كل أصحابي ماتوا حرقا بالنار .
فقالت زوجته : ما هذه المصائب المتتالية ؟
فرد عليها اصبري يا امرأة إنها مشيئة الله ، ما من نبي إلا و امتحن اله قلبه ، نظر
أيوب إلى السماء و قال : الهي امنحني الصبر . و حينها أمر أيوب عليه السلام جميع
العمال و العبيد بترك منزله و البحث عن عمل آخر .
* موت الأولاد .
في اليوم الموالي وقعت مصيبة تدمي لها
القلوب،و يندى لها الجبين و تقشعر لها الأبدان ، فبينما كان أولاد أيوب عليه
السلام مجتمعين حول المائدة لتناول الطعام فسقطت عليه الدار فماتوا جميعا .
الابتلاء في الصحة و البدن. *
تعقدت
محنة أيوب عليه السلام أكثر فأكثر ، فقد انتقل الابتلاء إلى الصحة و البدن حيث
انتشرت الدمامل في جسمه فقد تغيرت صوته من رجل حسن الصور إلى رجل تشمئز منه الجميع
إلا زوجته الطيبة التي تقاسمت معه المحن و عانت من أجله ، فقد أصبح منزله مقفرا لا
مال و لا أولاد ، و مع ذلك كان أيوب يذكر زوجته بأن ما أصابه هو من مشيئة الله ، حاول
الشيطان أن يوسوس لأيوب قائلا : ماذا فعلت حتى تصاب في صحتك و مالك و أولادك ، فلعنه و لم يزده إلا ايمانا بمشيئة الله و
قدره و كذلك زوجته الطيبة لعنته . و بعدما يئس منه الشيطان انتقل إلى أهل حوران
ثانية .
* الطرد من المنزل و الإقامة في الصحراء .
حاول
الشيطان بشتى الطرق أن يرسخ في أهل حوران بأن أيوب قد أذنب ذنبا كبيرا حتى أصابه
ما أصابه ، فأصبح حديث الناس في كل وقت و بدؤوا يؤلفون القصص و الروايات حوله
إلى أن ترسخ لديهم أن تواجد أيوب بينهم أصبح مصدر للعنة و الضرر، فأجمعوا على طرده
و قد حاولت زوجته أتذكرهم بإحسانه لهم ، لكن ذلك لم يشفع لها و أصروا على إخراجه ،
فقال أيوب عليه السلام :( يا رب إن كانت هذه مشيئتك فسأخرج و
أسكن بالصحراء ، يا رب سامح هؤلاء على جهلهم ) و قد بنت له زوجته عريشا في الصحراء
يقيم فيه ، بينما تذهب هي إلى العمل في بيوت حورارن لتحضر له الطعام ، و قد ظل هو و زوجته على ذلك الحال سنوات كثيرة صابرين محتسبين إلى أن جاء الفرج من الله
بشفائه من سقمه .
كيف شفى الله أيوب ؟
لقد شفى الله نبينا أيوب
بطريقة تدعو لتنزيه الخالق ،فقد كان عليه السلام يعاني من آلام حادة في المفاصل ألزمته
الفراش مدة ثمانية عشر عاما ، قال الله تعالى : " أركض برجلك "أي
حرك رجلك ، إشارة منه بأن الدواء تحت رجله ، فنبعت عين ماء تحتها فقال
الله تعالى " هذا ماء بارد مغتسل و شراب " ، أي اغتسل من هذا
الماء حتى يزول المرض عن ظاهر جسمك ، و اشرب من الماء ليزول الألم من داخل جسمك.
