جرير بن عبد الله البجلي يوسف الأمة
أولا: حياته
هو جرير بن عبد الله البجلي نسبة إلى قبيلة بجيلة ببلاد اليمن و هو الصحابي الذي بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بقدومه مصطحبا معه قومه و إعلانهم إسلامهم على السمع و الطاعة والولاء في المنشط والمكره، و هو واقف بالمنبر يخطب في الناس، الأمر الذي جعل الناس يحملقون و يحدقون فيه بمجرد وصوله فأرادوا أن يتيقنوا من شخصه و يتحققوا من أوصافه ، فما إن انتهت الصلاة حتى اقترب رجل من المسلمين من جرير كان يصلي جانبه و قال : ما بال الناس ينظرون إلي و يحدقون و كأن لهم عندي حاجة ؟ أهي مجرد صدفة أم في الأمر شيئا آخر فقال الرجل : لقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه و سلم بقدومك على رأس وفد من قومك و قد أحبرنا عن نعتك و أوصافك وقال : " يدخل عليكم رجل من أهل اليمن على وجهه مسحة ملك "
ففرح جرير و أشرق وجهه بالبهجة وطابت نفسه لما سمع من ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم لأوصافه، فما أن انتهى رسول الله من صلاته حتى جلس جرير أمامه فقال له الرسول : ما جاء بك يا جرير ؟ فقال جئت لأسلم أنا و قومي يا رسول الله و لنبايعك ، فقال له النبي : " إنما أبايعك على أن تشهد ان لا اله إلا الله أني رسول الله و تقيم الصلاة و تِؤتي الزكاة و تصوم رمضان و تحج البيت و تنصح المسلم و تطيع الوالي و لو كان عبدا حبشيا "
ثانيا: جرير و ذي الخلصة
يعد جرير من أعظم الصحابة و أشجعهم مما جعله يكسب ثقة النبي و ثقة خلفائه ،فأسندوا له أعقد المهمات فقبيل وفاة النبي صلى الله عليه و سلم دعا إليه جرير و قال : هل أنتم مريحي من ذي الخلصة يا جرير ؟ فقال نعم يا رسول الله - فذو الخلصة هي مجموعة من الأصنام في مدينة تبالة بين مكة و اليمن مسيرة سبع ليال – أراد الرسول أن يستريح منها قبل أن يموت بحيث كان يقوم على سدنة ذي الخلصة بنو أمامة فقد كانت تعبدها مجموعة من القبائل و يحجون إليها و يسمونها بالكعبة اليمانية و اختيار رسول الله لجرير لم يأتي صدفة بل لسيادته في بجيلة و مكانته بين القبائل فهيأ لها جيشا قوامه خمسون فارسا من الشجعان فهدمه و بنى مسجد تبالة العظيم .
ثالثا : جرير و صاحب الفرس
أرسل الصحابي الجليل جريرغلاما له ليشتري له فرسا ، فلما إلتقى بالبائع ، قال له بكم تبيع الفرس ؟ فأجابه بكم تشتريها ؟ و بقت المناقشة بينهما إلى أن استقر الثمن على ثلاثمائة درهم ، ووافق البائع على هذا الثمن ، لكن غلام جرير أخبره بأنه ليس لديه من الثمن شيئا ، وقال له : تعالى معي إلى سيدي ليسدد لك مالك.
فلما وصلا إلى جرير تعجب منه البائع لكلامه الذي تقشعر له الأبدان حيث قال جرير : ( بكم اشتريت هذا الفرس يا غلام ؟ قال له بثلاثمئة درهم ) .
كان المتوقع من جرير أن يقول أن الفرس لا يساوي إلا ماءتين أو ماءتين وخمسين ، لكنه نظر الى البائع وقال له : أتبيعه بأربعمئة درهم ؟ ، فتعجب البائع ،ثم قال له : أتبيعه بخمسمئة درهم ؟ ، فصمت البائع ، ثم قال للبائع ، أتبيعه بستمئة درهم ؟ ، فزاد تعجب البائع ،فقال له أتبيعه بسبعمئة درهم ؟ ، فدهش البائع بل وذهل ، ولم يستطع على ذلك صبرا و قال : أأنت بائع أم مشتر ؟ ما رأيت مشتريا يبيع إلا أنت .
فرد جرير :لقد بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم ، والفرس يساوي سبعمئة درهم ، ولو أني أخذتها بأقل من ذلك لغششت و لخالفت عهد رسول الله .
إنها صورة من الصور يجب أن تكتب بمداد من النور على صفحات من ذهب ، كان بإمكان جرير أن يشتري الفرس بأقل مما اشتراها غلامه ، لكنه رأى البائع في ضيق و العسر يحيط بعنقه ، ولم يستغل حالته كما نفعل الأن ؟
إن بعض التجار و المشترين للأسف يدخل البيت ليشتري سريرا ينام عليه الفقير المحتاج ، أو دولابا به ملابسه دعته الحاجة لبيعه ، فلم يمد له يد الرحمة ، و لم ينظر اليه بعين الشفقة ، بل يزيد العسر عسرا والضيق ضيقا ، والموت موتا و هلاكا.
أما جرير فانه زاد الثمن ،لأنه عاهد النبي صلى الله عليه و سلم أن يكون ناصحا لكل مسلم ، فلو اشترى الفرس بأقل من سبعمئة درهم و هي كذلك ،فقد غش وخان عهد رسول الله وهو القائل :( لا دين لمن لا عهد له و لا إيمان لمن لا أمانة له ) ، و لذلك ركز الله تعالى على الأمانة و ذكرها في مواطن عدة ، قال في سورة البقرة : " فإن آمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أتمن أمانته و ليتق الله ربه " .
لم يدرس جرير في مدرسة و لا جامعة ، و لم تكن فيها سرر مرفوعة ولا أكواب موضوعة و لا نمارق مصفوفة و لا زرابي مبتوتة ، وإنما تلقى العلم في مدرسة سقفها الجريد وأرضها الحصباء . إنها مدرسة النبي محمد ، مدرسة الأخلاق النبيلة و القيم الشريفة و حسن المعاملة ، و التي تخرج منها المصلح أبا بكر ، والزعيم الشجاع عمر ، والحلي الكريم عثمان ، والعبقري علي ، و المفتي الخبير ابن عباس ،و القائد المفدى خالد بن الوليد ، والمحدث التقي أبا هريرة ،الفيلسوف الذكي سلمان الفارسي ، والزاهد الورع أبا ذر الغفاري.
رابعا: جرير يوسف هذه الأمة.
كان هذا الصحابي باهر الجمال لقب بيوسف هذه الأمة ، لما كان عليه من حسن الصورة و الجمال كأن وجهه فلقة قمر .
فلما دخل الصحابي جرير على الرسول صلى الله عليه و سلم ألقى له و سادة فجلس على الأرض و لم يجلس عليها ، فقال له النبي : ( أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض و لا فسادا ) فأسلم .و قد قال عمر بن الخطاب : ( جرير يوسف هذه الأمة ) و قد و صفه عبد الله بن عمير بكونه باهر الجمال فقال : ( رأيت وجهه كأنه شقة قمر ).
و روي عن جرير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له : ( إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك ) و قد كان رسول الله يعجب من عقل جرير و جماله .
و قد روي عن جرير أن عمر بن الخطاب رآه متجردا فأمر بأن يأخذ رداءه ، فلما رجع إلى القوم فأخبرهم بالخبر ، فقالوا له : لما رآك متجردا قال : ما أوري أحدا من صورة هذا إلا ما ذكر من يوسف عليه السلام .
