كيف جمع عمر بين نظام المساعدات الاجتماعية للأسرة و نظام الرعاية الاجتماعية للطفل
أولا : عمر بن الخطاب و نظام المساعدات الاجتماعية للأسرة
بينما كان عمر بن الخطاب يمشي في الليل مع صديقه عبد الرحمان بن عوف ، فرآی نارا توقد ، فيدهب اليها ويتفقد شأن تلك النار ، فيجد سيدة تجلس و أمامها قدر على النار ، و حولها أطفالها و كان أحدهم يقول أمي أكاد أموت جوعا ،وكان الثاني يقول أمي إرحمي منا الضلوع ،و كان الثالث يقول لعلي أحضى بأكل قبل ما أمضي سريعا ، فوقف عمر بن الخطاب منهارا ،لا تكاد قدماه تقوی على حمل جسمه ، فيسأل أم الأطفال وعيناه تفيضان من الدمع كأنهما أبواب السماء انفتحت بماء منهمر ، و القلب يرجف من الأسی و الجوی كأنها الأرض فجرت عيونا على أمر قد قدر ، سألها: ما هذا القدر ؟
قالت : يا هذا إن أطفالي قد اشتد بهم الجوع ،و ليس عندي من الطعام ما أقدمه لهم ،فوضعت في القدر ماء ووضعت في الماء حصا ثم وضعته على النار ، فليس في القدر إلا الحصى ، و أنا أشغل الأطفال حتی يناموا جوعآ.
فيقول عمر : ما المشكلة عندك ؟
قالت له : الله الله في عمر.
فنزلت هذه الكلمة علی قلب عمر كالصاعقة ،فقال لها : و ما شأن عمر يا أمة الله.
فردت عليه : أيلي أمرنا و يغفل عنا.
فيسمع عمر ذلك و يتمنى لو
أن الأرض انشقت و خسفت به ، فذهب عن عجل إلى بيت مال المسلمين و أخذ التموين
، و أخرج من المخازن الدقيق و قال للحارس : احمل علي الدقيق ، فقال له أأحمل عليك
يا أمير المؤمنين ؟ قال نعم إحمل على ، تكلتك أمك ، أأنت تحمل عني ذنوبي يوم
القيامة ؟ فأسس بذلك لنظام المساعدات الإجتماعية للاأسرة .
و يحمل أمير المؤمنين عمر الدقيق على ظهره ، فأتى به إليها ، ولم يتركها بل اختبأ وراء صخرة كأنها برج مراقبة، و بدأ ينظر الى الأطفال ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : هلم بنا إلى البيت يا أمير المؤمنين ، فالبرد يكاد يقسم فقار الظهر ، فقال له عمر : و الله لا أتركهم حتى يضحكون كما أتيتهم وهم يبكون.
شعور نبيل و قلب يفيض رحمة ورقة وحنانا وإنسانية ومسؤولية.
ضحك الأطفال لما شبعوا ، و قد طلع الفجر وأذن المؤذن ، فيذهب كلا من عمر وعبد الرحمن إلى صلاة الفجر ، فيتقدم عمر ليؤم الناس وهو يبكي في صلاته وما استطاع المصلون أن يفسروا قراءته من شدة بكاءه.
و في الصباح ، يأخذ عمر مجلس الأمير وعن يمينه علي بن أبي طالب وعن شماله ابن مسعود ، و تأتي المرأة التي كان بينه و بينها حديث الأمس ، و تلقي السلام و تجلس ، فتسمع كلا من علي و ابن مسعود ينادون أميرالمؤمنين بعمر ، تذكرت بأنه الرجل الذي تفقدها بالليل ، فلما رأها محرجة ، قال لها لا عليك يا أمة الله ، أنا ما دعوتك لهذا المكان إلا لتبيعي مظلمتك لي.
فلم يقل لها لفظا يجرح شعورها كما فعلت هي من قبل حينما شكت به الی الله و انتقدت طريقة تسييره للرعية ، بل أراد أن يشتري مظلمتها.
فقال لها بكم تبيعين مظلمتك ؟ ، فقالت : ألتمس العفو يا أمير المؤمنين ، فرد عليها : والله لابد أن اشتري هذه المظلمة، فاشتراها منها بستمائة درهم من ماله الخاص وليس من مال بيت المسلمين.
فكتبها و شهد عليها علي وعبد الرحمن و أوصاهم وقال : إن أنا مت فضعوها بين جسمي و كفني حتي ألقى بها الله.
أعلن عمر إسلامه دون خوف و لا وجل من كفار قريش بل أشار على رسول لله بأن يظهر الإسلام مادام دين حق فقال: يا رسول الله ما دمنا على الحق و هم على الباطل فلنخرج و لنطف بالكعبة و لنعلن الإسلام. فقال : فلنتوكل على الله.
فبدأ يتنقل بين كفار قريش في منازلهم يخبرهم عن إسلامه فيقول لهم أسمات و أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله . فطرق باب أبو جهل و باب أبا سفيان و لم يستطع احد منهم أن يعاقبه أو يضربه .
هذه العظمة الفارعة و المجد العلي، هذا الرجل الطويل الذي كان لا يماشي قوما إلا علاهم برأسه لطوله كان بعيد ما بين المنكبين ، كان أبيض مشرب الحمرة عظيم اللحية أصلع رضي الله عنه و أرضاه متماسك اللحم و كان مصارعا في الجاهلية ، كان معروفا يصارع الناس في سوق عكاظ ، هذا الرجل يخفي بين مطاويه و في جوانحه قلبا كله رحمة و كله لين ورقة .
للأسف نأخذ عن عمر فقط الجانب الشديد و الصلب ، فقد كان صلبا على نفسه و على أهله و على الظلمة ، أما بالشعب أو المساكين فيمكنك أن تقول عنه إن شئت أن تراه كعصفور ناظر مهزول احتواه إعصار ، اتق الله يا عمر.
فقد كان يزلزل زلزالا شديدا إذا سمع أنين مظلوم أو دمعة أم أو أرملة كسيرة ، قال عبد الرحمن بن عوف خرجت معه ليلة وقافلة قادمة المدينة - قافلة تجار تحمل سلعا تجارية – والقوم نيام ، فقال له عمر هيا يا عبد الرحمان لنحرصهم ، فقال : جلست معه حتى سمعنا صوت طفل يبكي فلم يتمالك عمر نفسه فقام وهو الذي قلبه ممتلئ بالرحمة و الشفقة ، فصرنا حتى اهتدى عمر لموضعه و كانت أمه تحاول أن تسكته و لم تستطع ، فقال لها عمر : يا أمة الله أسكتيه فما لبث أن سكت ثم عاد ثانية و ثالثة للبكاء فلم يحتمل بكاء الرضيع فقالت له و هي لم تعرف من تخاطب : إليك عني لقد أفزعتني أيها الرجل إني أحاول فطامه فسألها عن عمر ، فردت : لا يتجاوز بضعة أشهر . فقال لها لما تتعجلين في ؟أمرك هذا و تفطمينه ، فقالت لأن عمر لا يفرض العطاء الشهري أو ما يصطلح عليا بنظام المساعدات الاجتماعية إلا للفطيم ، فقال لها لا تفعلي ذلك .
بعد ذلك دعا بكاتبه وأمره أن يفرض في الإسلام لكل وليد مساعدة اجتماعية حتى لا تتعجل النساء في فطم أولادهن فكتب إلى الأمصار بذلك فكان عمر أول من أصدر قانون نظام الرعاية الاجتماعية للطفل في الإسلام.
